الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
303
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
يظهر أن " الفحشاء " : إشارة إلى الذنوب الخفية ، و " المنكر " : إشارة إلى الذنوب العلنية ، و " البغي " : إشارة إلى كل تجاوز عن حق الإنسان ، وظلم الآخرين والاستعلاء عليهم . قال بعض المفسرون ( 1 ) : إن منشأ الانحرافات الأخلاقية ثلاث قوى : القوة الشهوانية ، القوة الغضبية ، والقوة الوهمية الشيطانية . أما القوة الشهوانية فإنما ترغب في تحصيل اللذائذ الشهوانية والغرق في الفحشاء ، والقوة الغضبية تدفع الإنسان إلى فعل المنكرات وإيذاء سائر الناس ، وأما القوة الوهمية الشيطانية فتوجد في الإنسان الإستعلاء على الناس والترفع وحب الرياسة والتقدم والتعدي على حقوق الآخرين . وأشار الباري سبحانه في المصطلحات الثلاثة أعلاه إلى طغيان غرائز الإنسان ، ودعا إلى طريق الحق والهداية ببيان جامع لكل الانحرافات الأخلاقية . وفي آخر الآية المباركة يأتي التأكيد مجددا على أهمية هذه الأصول الستة : يعظكم لعلكم تذكرون . 3 أشمل آيات الخير والشر : إن محتوى هذه الآية المباركة له من قوة التأثير ما جعل كثيرا من الناس يصبحون مسلمين على بينة من أمرهم ، وها هو " عثمان بن مظعون " أحد أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حيث قال : ( كنت أسلمت استحياء من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لكثرة ما كان يعرض علي الإسلام ، ولم يقر الإسلام في قلبي ، فكنت ذات يوم عنده حال تأمله ، فشخص بصره نحو السماء كأنه يستفهم شيئا ، فلما سري عنه سألته عن حاله فقال : نعم ، بينا أنا أحدثك إذ رأيت جبرائيل في الهواء فأتاني بهذه الآية إن
--> 1 - التفسير الكبير للفخر الرازي ، ج 20 ، ص 104 .